رأس الخيط | عبدالله اسماعيل يكتب : بين نار المعركة وهواجس الخارج.. هل ينجح كامل إدريس ؟!

رأس الخيط | عبدالله اسماعيل يكتب : بين نار المعركة وهواجس الخارج.. هل ينجح كامل إدريس ؟!
واضح أن تعيين البروفسور كامل إدريس رئيساً لمجلس الوزراء لم يكن وليد صدفة أو طارئاً من فراغ سياسي بل جاء من رحم قائمة قصيرة ضمّت في مقدمتها السيد دفع الله الحاج وآخرين.
كان من الجليّ أن مجلس السيادة فضّل الرجل الأول.. أي دفع الله في بادئ الأمر لأنه جزء من منظومة الدولة القائمة ومكوّن من مكونات ماكينة السلطة التنفيذية وبالتالي يثقون في انه لن يُفاجئهم بقرارات منفلتة أو مواقف متطرفة ولن يصدر عنه صوت نشاز في سيمفونية الدولة التي تقاتل اليوم على أكثر من جبهة. بخلاف الدكتور إدريس، القادم من الخارج والذي وإن كان اسمه يلمع دولياً إلا أنه لم يسبق له أن خاض معترك العمل العام في السودان ولا خبر دهاليزه ولا مساراته المليئة بالمطبات والألغام والعُقد القبلية والحزبية والمناطقية.
اظن ان تفضيل دفع الله لم يكن خياراً سيئاً لكنه كان خيار “الحذر” بينما إدريس في نظر بعضهم كان لا يزال يحتاج وقتاً لفهم البلد. هذا البلد الذي لا يشبه أحداً في معاناته ولا يشبه حتى نفسه.
لكن.. وكما هو حال السودان دوماً جرت مياه كثيرة تحت الجسر. وعاد مجلس السيادة ليسحب دفع الله *ويدفع بكامل إدريس إلى الواجهة.. رئيساً للوزراء بصلاحيات كاملة*. القرار لم يكن ارتباكا بل ربما مراجعة ضرورية بصوت مصالح وطنيك عليا وضغط قادم من خارج الحدود.
نحن أمام دولة تتقدّم في الميدان.. جيشها ينتصر ويستعيد المدن لكنها تحتاج واجهة سياسية ودبلوماسية تُقنع العالم، تُخاطب الاتحاد الأفريقي الذي جمّد عضويتها وتعيد ترتيب العلاقة مع أميركا وأوروبا ومصر والسعودية ودول الجوار. تحتاج رجلًا يعرف كيف يتحدث مع المؤسسات الدولية بلغة لا تثير الحساسيات وتُبقي على الثوابت.
هنا ظهر إدريس ليس فقط لأنه “دولي” بل لأنه يحمل موقفاً وطنياً واضحاً عبّر عنه أكثر من مرة: القوات المسلحة خط أحمر، والمساس بها عبث بالمصير. في دولة تخوض حرباً على الوجود، لا يُطلب من رئيس الوزراء أن يكون حيادياً بل وطنياً بوضوح لا لبس فيه.
*الحرب ليست سياسية .. الحرب وجودية*
علينا أن نفهم جيداً وأن نفهّم العالم كذلك أن ما يدور في السودان ليس صراعاً على السلطة كما يشاع وليس نزاعاً بين فصائل حزبية كما يُدعى. إنها حرب وجود.
القوات المسلحة، قوات الشرطة، قوات جهاز المخابرات، قوات المشتركة، قوات المقاومة الشعبية والحركة الشعبية بقيادة عقار جميعهم يخوضون معركة ضد تحالف دولي إقليمي معقد، تقوده أصابع من خارج الحدود، وتستخدم في الواجهة مليشيا الجنجويد بقيادة آل دقلو.
هذه المليشيا لا تسعى فقط للسيطرة على الحكم في البلاد بل تهدف للتهجير المنهجي والنهب والاغتصاب وتدمير ما تبقى من بنية الدولة ومقومات الحياة. إنها مليشيا تمهّد الطريق لاستيطان جديد لخرائط جديدة ولإخراج شعب بأكمله من أرضه. فماذا لو انتصرت؟ قطعاً لن يعود الناس من المنافي والملاجيء لأن هناك من أُعدّ ليحلّ محلّهم.
*لهذا كله فإن تعيين إدريس ليس تكليفاً عادياً بل اختبار وجود. فالرجل الذي يعتلي سدّة رئاسة الوزراء اليوم مطالب بأن يتعامل مع جبهتين في آن واحد*:
أولاً: *التحديات الداخلية*
• الوضع العسكري: انتصارات الجيش لا تُبنى بالرصاص وحده بل تحتاج إلى غطاء سياسي متماسك وتحريك للدبلوماسية وتأمين للجبهة الداخلية.
• القوى السياسية: الكيانات الحزبية تنتظر ما ستؤول إليه الأمور لتحدّد موقفها. بعضها كان مهادناً للتمرد، وبعضها متردداً، وبعضها الآخر يحاول حجز مكانه في قطار السلطة القادمة. وعلى إدريس أن يوازن أن يحتوي أن يُنصت بعين ويشتغل بالأخرى.
• الإدارة الأهلية والمجتمعات المحلية: هؤلاء هم السدّ الحقيقي خلف الجيش. هم الذين احتضنوا النازحين وصدّوا هجمات التمرد وأرسلوا أبناءهم للجبهات. لا يمكن تجاوزهم أو التعامل معهم كـ”صوت مهمَّش”.
ثانياً: *التحديات الخارجية*
• الاتحاد الأفريقي: عودة السودان لمقعده تتطلب جهدًا خاصًا، خطابًا مختلفًا، وأدوات لا تملكها سوى شخصية ذات ثقل دولي كإدريس.
• دول الجوار: تشاد، جنوب السودان، إثيوبيا، أفريقيا الوسطى، وليبيا حفتر.. كلها تمرّر السلاح والعتاد للمليشيا وتغضّ الطرف عن تحركاتها. هذه ليست “أفعال جيران”، بل سلوك دولٍ تشارك في مشروع تفكيك السودان.
• العلاقة مع الإمارات وكينيا: لا أحد يمكنه إنكار ما تُتهم به أبوظبي ونيروبي من دعم مباشر للمتمردين. ويجب أن يُعاد النظر جذرياً في هذه العلاقات بمنطق المصالح والسيادة.
• العلاقة مع مصر: تحتاج لتحديث وإعادة تعريف فالموقف المصري على الرغم من انه مشرف لكن يحتاج إلى زيادة مستوى الجرعات. مصر في العمق منا والسودان في عمقها والمصير مشترك.
• أميركا وأوروبا والأمم المتحدة: المعركة هنا مع الرواية. هناك من يسوّق أن الحرب ضد الإسلاميين. لكن الحقيقة أن الحرب ضد الشعب.. آلاف الضحايا من المدنيين البسطاء. من النساء والأطفال. من المغتصبات في نيالا والمذبوحين في أم درمان والمشردين في كوستي والجزيرة وزالنجي. هذا هو الواقع الذي يجب أن يُروى.
*هل هو قادر؟!*
هذا هو السؤال الكبير. الرجل يحمل مؤهلات علمية وثقافية دولية وخبرة تفاوضية عالية. لكنه يدخل إلى وطن يحترق. وطن لا يحتاج لـ”إدارة مشاريع”، بل لقيادة تعبر به من الرماد إلى الحياة.
عليه أن يبني من تحت الصفر. أن يعيد تشكيل الدولة لا فقط إدارة الحكومة. عليه أن يكتب فصلاً جديداً في كتاب السودان.
ونحن.. لا نملك ترف الانتظار ولا رفاهية التردد ولقد جرّبنا ما جربنا …. فبين نار المعركة وهواجس الخارج، هل ينجح إدريس؟
22 مايو 2025



