د. عبدالناصر سلم حامد يكتب : المرتزقة في الحرب السودانية

المرتزقة في الحرب السودانية
(الجزء الأول من ثلاثة أجزاء)
السوق السوداء للحرب في قلب النزاع السوداني
د. عبدالناصر سلم حامد
كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان – مركز فوكس للدراسات، السويد
🔹 هذه السلسلة التحليلية مستخلصة من بحث موسّع بعنوان “المرتزقة في الحرب السودانية”، وتتناول تطور الظاهرة، بنيتها الشبكية، وأثرها على مستقبل النزاع والسلام في السودان
لطالما ارتبط استخدام المرتزقة بالصراعات التي تتآكل فيها سيادة الدولة وتتسع فيها هوامش الإفلات من العقاب. ويُعرّف القانون الدولي المرتزق بأنه فرد يُجند للقتال في نزاع مسلح، بدافع المكسب المالي، ولا يحمل جنسية أي طرف في النزاع، ولا ينتمي إلى القوات المسلحة النظامية. ورغم إقرار الاتفاقية الدولية لمناهضة المرتزقة عام 1989، إلا أن تنفيذها ظل محدودًا نتيجة غياب الإرادة السياسية لدى بعض الدول، واستخدام المرتزقة كأدوات نفوذ غير معلن.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، اتخذ الصراع طابعًا غير تقليدي، حيث برز عامل جديد أعاد تشكيل ميزان القوى على الأرض: المرتزقة الأجانب. هؤلاء المقاتلون القادمون من خارج الحدود، والذين لا تجمعهم بالسودان أي رابطة وطنية أو جغرافية، أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من البنية القتالية لقوات الدعم السريع. هذا التغير يعكس انتقال النزاع إلى طور من الحرب المؤجرة، تُدار فيه العمليات العسكرية عبر وسطاء، وتُموّل بواسطة شبكات عابرة للدول.
جاء قرار الاستعانة بالمرتزقة نتيجة تآكل شبكات التجنيد المحلية لدى قوات الدعم السريع، لا سيما في المناطق الحضرية التي تراجعت فيها الحاضنة الاجتماعية. وللتعويض، لجأت القيادة إلى خصخصة العنف عبر التعاقد مع شبكات تهريب وشركات أمنية خاصة. توزعت الجنسيات المستجلبة بين كولومبيا وسوريا وليبيا وتشاد والنيجر. وتشير تقارير منشورة في Wall Street Journal ومصادر أممية إلى دور شركات مثل A4S International وGSSG في عمليات التجنيد، التي جرت عبر ممرات تمتد من أمريكا اللاتينية إلى شمال أفريقيا ثم إلى السودان.
هؤلاء المرتزقة لا يعملون فقط كمقاتلين، بل يُكلفون بمهام نوعية. الكولومبيون، بخلفيتهم في القوات الخاصة، بارعون في قتال المدن. السوريون يتمتعون بخبرة في التفخيخ والحرب غير النظامية. الليبيون يوفرون الإمداد والتمركز الحدودي. أما القادمون من أفريقيا الوسطى والساحل، فيستخدمون في الهجمات الأمامية واسعة النطاق.
تشير تقارير ميدانية إلى أن تدريب المرتزقة يتم غالبًا في معسكرات جنوب ليبيا وشمال تشاد. وتتم عملية الانتقال إلى السودان عبر مسارات غير رسمية تمر بسبها وغات والفاشر. وقد ساهم غياب الرقابة الجوية والحدودية في سهولة نقل هؤلاء المقاتلين إلى العمق السوداني.
من ناحية قانونية، تظل المساءلة غائبة. فمعظم المرتزقة لا يخضعون لأي نظام عقابي واضح. والاتفاقية الدولية لعام 1989، رغم أنها توفر إطارًا للتجريم، إلا أن عدم تصديق بعض الدول المعنية عليها يجعل ملاحقة الفاعلين أمرًا شبه مستحيل. ووفقًا لتقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الصادر في مارس 2025، فقد تم توثيق تورط عناصر أجنبية في انتهاكات واسعة النطاق في دارفور وكردفان.
من الناحية المالية، تُموّل عمليات المرتزقة من مصادر متنوعة، تشمل التحويلات غير الرسمية، والشركات الوسيطة، وأحيانًا تغطيات تجارية أو إنسانية زائفة. وهذا ما يجعل التتبع المالي معقدًا ويعيق فرض العقوبات الدولية.
تُقدّر أعداد المرتزقة العاملين مع الدعم السريع بأكثر من 3,000 عنصر حتى منتصف 2025، بحسب تقارير بحثية متقاطعة. وينقسمون بين مقاتلين ميدانيين، خبراء تقنيين، مدربين على الطائرات المسيّرة، ومستشارين في العمليات القتالية.
تُظهر الطبيعة المتغيرة لتجنيد المرتزقة أن الدعم السريع لم يعد يعتمد فقط على الولاءات القبلية أو الدعم المحلي، بل اتجه إلى تطوير منظومة موازية للتجنيد والتمويل، تعمل على مستوى إقليمي ودولي. هذا التطور يعكس نضجًا تكتيكيًا لكنه أيضًا يدل على مأزق استراتيجي: فكلما زادت الحاجة إلى المرتزقة، دلّ ذلك على تناقص الثقل الداخلي والقدرة على الحشد المحلي.
كما يُلاحظ أن المرتزقة ليسوا مجرد عناصر عسكرية، بل يُستخدمون أيضًا في عمليات استخبارية، وجمع معلومات، وحتى في إدارة نقاط التفتيش داخل المدن المحتلة. هذا يشير إلى نوع من التحول في هيكل القيادة والسيطرة داخل الدعم السريع، حيث يتداخل الفعل العسكري بالأمن الشبكي، مما يعقد المشهد الأمني ويصعّب من جهود رصد الانتهاكات ومحاسبة الفاعلين.
واحدة من أبرز الإشكاليات التي أفرزها هذا الواقع هي أن المرتزقة لا يخضعون لأي انضباط مؤسسي. فهم لا يُحاسبون أمام سلطة سياسية أو مجتمع محلي، وبالتالي فإن تصرفاتهم الميدانية أكثر ميلًا للانفلات، ما يفسر تكرار حوادث النهب، والاعتداءات الجنسية، واستهداف المرافق الطبية والإنسانية.
وعلى المستوى الإعلامي، تسعى قوات الدعم السريع إلى إبقاء وجود المرتزقة في دائرة الإنكار، أو تصويرهم كمتطوعين من “قبائل مجاورة” أو “مناصرين لقضية الحرية”. غير أن هذه السردية سرعان ما تتهاوى أمام التقارير الحقوقية والصور المسربة وشهادات الضحايا، التي توثق لهجات ولهويات وجنسيات لا علاقة لها بالسودان، ما يُحرج حتى الداعمين الإقليميين.
إن تصاعد استخدام المرتزقة يفضح أحد أوجه الاقتصاد السياسي للحرب في السودان، حيث تتداخل المصالح العسكرية بالتمويل الخارجي، والتجارة غير المشروعة، وصفقات السلاح. كل ذلك يجعل من المرتزقة طرفًا أصيلًا في معادلة الحرب، وليس مجرد أدوات هامشية. هذا يتطلب من المجتمع الدولي ومنصات حقوق الإنسان تطوير أدوات جديدة لتتبع المرتزقة ومحاسبة الجهات التي تجندهم وتديرهم.
الوجود الكثيف للمرتزقة يُعدّ عقبة هيكلية أمام أي اتفاق سلام. فهم لا ينتمون إلى السودان، ولا يمثلون أي طرف سياسي، ولا يخضعون لحسابات محلية. هذا يجعلهم عناصر خارجية مناهضة بالضرورة لأي خفض للتصعيد أو إعادة بناء للنظام السياسي.
ومع اتساع هذا النمط من الحروب المؤجرة، فإن السودان يواجه خطر التحول إلى ساحة اختبار لتوازنات إقليمية تنفّذ عبر مرتزقة. ومع نهاية الحرب، فإن هذه العناصر لن تختفي، بل قد يعاد تدويرها في صراعات الجوار، أو تستخدم كورقة ضغط إقليمي مستقبلي.
في الجزء الثاني من هذا المقال، سيتم تناول كيفية توظيف المرتزقة في فرض الحصار على مدينة الفاشر، والأدوار التي لعبوها في عمليات التجويع الممنهجة، وتأثير ذلك على البنية الاجتماعية والديمغرافية للمدينة



